أبي منصور الماتريدي
85
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ : الشاكين . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ : هو ما ذكرنا أنه يريد بالخطاب غيره ، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يكون من الشاكين ، أو يكون من الذين يكذبون « 1 » بآيات الله ، أو يكون من الخاسرين . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 96 إلى 100 ] إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 98 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . قوله : حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ هو قوله - عزّ وجل - : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ هود : 119 ] هذا يكون في الختم من يختم به يعني بالكفر فقد حقت كلمة ربك لأملأن جهنم ، أو حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ما ذكر في آية أخرى : أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ . . . الآية [ الأعراف : 37 ] ، أو كلمة ربك ما ذكر : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [ الأنعام : 111 ] . وقوله - عزّ وجل - : حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي : علم ربك بأحوالهم ، أي : من كان علمه أنه لا يؤمن فلا يؤمن وقت اختياره الكفر ؛ كقوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [ الأعراف : 186 ] [ أي : من يضلل الله فلا هادي له ] « 2 » وقت اختيارهم الكفر ؛ وكذلك قوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ البقرة : 258 ] وقت اختيارهم الظلم ونحو ذلك ، فالتأويل الأول يرجع إلى الختم به ، والثاني : إلى وقت من ثبت عليه علم ربه أنه لا يؤمن إلى وقت أنه لا يؤمن في ذلك الوقت . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قيل : في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الدنيا ، وقد ذكرنا هذا . وقوله - عزّ وجل - : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ . . . الآية ، أي : لم تكن القرى آمنت عند معاينة البأس إيمانا نفعها إلا إيمان قوم يونس ، فإنهم آمنوا إيمان حقيقة وعلم الله صدقهم من إيمانهم فنفعهم إيمانهم ، هذا يخرج
--> ( 1 ) في ب : كذبوا . ( 2 ) سقط في أ .